المنهجية وحدود التحليل
تقوم هذه الدراسة على ثلاث قواعد منهجية تسبق أي رقم أو رسم بياني:
- تمييز صارم بين ثلاث طبقات: حقائق موثقة (إحصاءات رسمية، أحكام قضائية، نتائج حروب)، ثم تقديرات بحثية (توقعات ديموغرافية واقتصادية)، ثم تكهنات وسيناريوهات (مستقبل الكيان، توقيت أي انهيار). كل طبقة معلَّمة بوضوح في مكانها.
- لا أرقام مُختلقة: حيث لا تتوفر بيانات موثوقة، يُذكر ذلك صراحة. وأهم مثال: لا يوجد نموذج علمي محكَّم قادر على التنبؤ بتوقيت تحولات الدول، وأي رقم من هذا النوع تكهُّن لا علم.
- عرض الحجتين المتقابلتين: هناك مدرسة ترى إسرائيل في ذروة قوتها الإقليمية بعد 2024-2025، ومدرسة ترى أن أسسها البنيوية تتآكل. وتُعرض أدلة المدرستين معاً، لأن الصورة المركبة أدق من أي صورة أحادية.
- قاعدة المصدر الخصم: تعتمد هذه الدراسة في أرقامها الأساسية على مصادر إسرائيلية رسمية (دائرة الإحصاء المركزية، بنك إسرائيل، وزارتا الدفاع والمالية، معهد INSS، الصحافة العبرية)، ومؤسسات أممية ودولية (محكمة العدل الدولية، البنك الدولي، OECD، صندوق النقد، OCHA)، ومراكز بحث وقياس رأي غربية (غالوب، IISS، مركز طاوب). لا تُستخدم مصادر فلسطينية في الأرقام المحورية، وهذا اختيار منهجي مقصود: الرقم الصادر عن طرف لا مصلحة له في إظهار ضعفه أعلى قيمة إثباتية من الرقم الصادر عن خصمه، ويغلق الباب أمام اتهام البحث بالانحياز في مصادره.
ملاحظة على البيانات
القيم في الرسوم البيانية مأخوذة من مصادر رسمية (دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية CBS، البنك الدولي، صندوق النقد، SIPRI، OECD) أو من مراكز أبحاث (مركز طاوب، جامعة تل أبيب، معهد دراسات الأمن القومي INSS، السلام الآن). بعض السلاسل التاريخية الطويلة مقرَّبة لأقرب ألف، وهذا مبيَّن أسفل كل رسم.بنية الدراسة: خمسة أجزاء يبني كل منها على سابقه
- الجزء الأول، القوة الصلبة (القسمان 01-02): ما الذي يملكه الكيان فعلاً من نار واقتصاد؟ هذا خط الأساس الذي تُقاس عليه بقية الدعامات.
- الجزء الثاني، الأرض والسكان (الأقسام 03-07): الهجرة، الميزان الديموغرافي، الاستيطان والضم، السيطرة الاقتصادية، والكلفة البشرية. هنا تتشكل الوقائع المادية التي ستُحاكم في الجزء الثالث.
- الجزء الثالث، الشرعية والتحالفات (الأقسام 08-12): كيف يحاكم العالم تلك الوقائع؟ القانون، السردية، التطبيع الإقليمي، التحالف الأميركي، والتحول في السياسة الأميركية.
- الجزء الرابع، الداخل (القسم 13): هل يحتمل المجتمع الإسرائيلي نفسه كلفة كل ما سبق؟
- الجزء الخامس، التركيب (الأقسام 14-17 ثم المصادر): أعمدة بن غوريون، مصفوفة الحقب، المقارنات التاريخية، ثم الخلاصة والقراءة التقديرية للسنوات الخمس المقبلة.
الدعامة العسكرية وقوة الردع
الحكم: تفوق ناري صاعد، عقيدة حسم منهارةعقيدة بن غوريون العسكرية قامت على ثلاثية: الحسم السريع، نقل المعركة إلى أرض الخصم، وعدم القدرة على تحمُّل خسارة حرب واحدة. البيانات تُظهر أن التفوق التقني والناري في أعلى مستوياته التاريخية، بينما القدرة على "الحسم السريع" تآكلت بشكل بنيوي.
سجل الحروب: من الحسم إلى الاستنزاف
| الحرب | النتيجة العسكرية | النتيجة الاستراتيجية |
|---|---|---|
| 1948-1949 | انتصار وتوسع (78% من فلسطين) | تأسيس الدولة، تهجير نحو 750 ألف فلسطيني |
| 1956 (السويس) | احتلال سيناء | انسحاب بضغط أميركي-سوفييتي: حدود القوة ظهرت مبكراً |
| 1967 | حسم خاطف في 6 أيام | ذروة نموذج بن غوريون، لكنها بداية عبء الاحتلال |
| 1973 | مفاجأة استراتيجية ثم استرداد | انكسار أسطورة "الجيش الذي لا يُفاجأ"، وثمن سياسي أدى لاحقاً لإعادة سيناء |
| 1982-2000 (لبنان) | احتلال ثم حزام أمني | أول انسحاب أحادي تحت ضغط مقاومة (2000) |
| 1987-1993 و2000-2005 (الانتفاضتان) | تفوق ناري دون حسم | أوسلو ثم الجدار وفك الارتباط: الاحتلال يعيد التموضع ولا يُحسم |
| 2006 (لبنان الثانية) | فشل الأهداف المعلنة | لجنة فينوغراد وثّقت الإخفاق رسمياً |
| 2008-2021 (جولات غزة) | "جز العشب" المتكرر | الردع يُستهلك ويُعاد بناؤه دورياً دون نتيجة نهائية |
| 7 أكتوبر 2023 | أكبر فشل استخباري وردعي منذ 1973 | انهيار فرضية "الاحتواء" وأطول حرب في تاريخ الكيان |
| 2023-2025 (غزة والإقليم) | تدمير واسع لقدرات حماس وحزب الله، اغتيالات نوعية، وسقوط الأسد | تفوق ناري تاريخي مقابل كلفة شرعية غير مسبوقة، وبقاء حماس طرفاً تفاوضياً لا يمكن تجاوزه |
| يونيو 2025 (حرب الـ12 يوماً مع إيران) | ضرب مواقع نووية وقادة وعلماء | أُعلن حينها إنجازاً حاسماً، لكن استئناف الحرب بعد ثمانية أشهر أثبت أن القدرات النووية والصاروخية لم تُدمَّر |
| 28 فبراير 2026 (الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران) | نحو 900 ضربة في 12 ساعة، واغتيال المرشد علي خامنئي ونحو 40 من كبار القادة | أعلن ترامب أهدافاً أربعة: تدمير القدرات الصاروخية وإنهاء البحرية ومنع السلاح النووي وقطع دعم الحلفاء، ودعا لتغيير النظام. لم يتحقق أي منها بعد خمسة أشهر. وردّت إيران بما وصفه الباحث روبرت بيب في فورين أفيرز بـ"التصعيد الأفقي": ضرب سفارات وقواعد أميركية ومنشآت في الإمارات والسعودية وقطر والكويت والبحرين والعراق وعُمان والأردن، وقواعد بريطانية في البحرين وقطر وقبرص، وإسقاط الناتو مسيّرات قرب إنجرليك في تركيا. وداخل الكيان: 28 قتيلاً وأكثر من 4,290 مصاباً وإغلاق المجال الجوي وتعطيل مطار بن غوريون أياماً |
| مارس-مايو 2026 (ما كشفته التقييمات الاستخبارية) | تقييمات أميركية مصنّفة نقلتها نيويورك تايمز وواشنطن بوست (مايو 2026): إيران احتفظت بنحو 70% من ترسانتها الصاروخية ونحو 70-75% من منصات الإطلاق المتنقلة، واستعادت الوصول إلى 30 من أصل 33 منشأة صاروخية على طول هرمز (91%)، ونحو 90% من مخازن ومنصات الإطلاق تحت الأرض عادت للعمل | خلاصة التقييم أن المخططين الأميركيين بالغوا في تقدير الضرر واستهانوا بقدرة طهران على الترميم السريع، بفضل شبكة أنفاق على عمق مئات الأمتار بأساليب كورية شمالية. وردّ البيت الأبيض بأن قدرات إيران "سُحقت" ووصف الحديث عن الترميم بأنه "وهمي"، واتهم البنتاغون نيويورك تايمز بأنها "وكيل علاقات عامة" لطهران: فجوة موثقة بين الخطاب الرسمي والتقييم الاستخباري |
| أبريل-أغسطس 2026 (ما بعد وقف النار) | وقف نار بوساطة باكستانية (8 أبريل) ومذكرة تفاهم من 14 نقطة (17 يونيو)، مع تبادل ضربات مستمر | الجيش الأميركي استنفد نحو 80% من صواريخ ثاد الاعتراضية ونحو نصف مخزون باتريوت منذ 28 فبراير، ووصف قادته المخزون بأنه منخفض بشكل خطير: أول مؤشر مادي على أن كلفة حماية إسرائيل تتجاوز طاقة القوة العظمى نفسها |
| مارس-أغسطس 2026 (لبنان) | اجتياح بري جديد جنوب الليطاني بعد دخول حزب الله الحرب رداً على اغتيال خامنئي | العودة لاحتلال أرض عربية بعد ربع قرن من الانسحاب، والحرب مستمرة: ضربات إسرائيلية جديدة في 5 أغسطس 2026 رغم مفاوضات روما. استنزاف مفتوح بلا أفق حسم |
تقييم "النتيجة الاستراتيجية" تحليلي ويستند إلى أدبيات إسرائيلية وغربية (لجنة فينوغراد، معهد INSS، IISS) وليس رأياً واحداً.
الإنفاق العسكري كنسبة من الناتج المحلي (1972-2024)
المصدر: قاعدة بيانات SIPRI والبنك الدولي، أرقام تقريبية. القراءة المزدوجة: الهبوط الطويل من نحو 30% إلى نحو 4.5% كان مؤشر قوة (اقتصاد يكبر أسرع من الجيش)، لكن قفزة 2023-2024 إلى نحو 9% تعيد الاقتصاد إلى منطق دولة الحرب الدائمة.
الشرخ البنيوي: أزمة القوى البشرية بالأرقام (2025-2026)
التفوق التقني لا يحل أزمة الجندي، والأرقام هنا من مصادر إسرائيلية:- أمر استدعاء احتياط ممدد يشمل نحو 400 ألف جندي احتياط، مع نحو 100 ألف منهم في الخدمة الفعلية بشكل شبه دائم، ومقترحات بفرض 80-100 يوم خدمة سنوياً على كل جندي احتياط (يديعوت وذا ماركر وإسرائيل هيوم).
- تحذير رئيس الأركان إيال زامير علناً من أن منظومة الاحتياط قد "تنهار على نفسها"، ووصف الجنرال احتياط إسحاق بريك في معاريف الوضع بأنه "أسوأ أزمة قوى بشرية في تاريخ الجيش" مع امتناع آلاف الضباط وضباط الصف عن تجديد الخدمة.
- بحسب أرقام الجيش المعلنة: 923 قتيلاً ونحو 6400 جريح حتى نهاية 2025، ونحو 20 ألف جندي يعانون اضطراب ما بعد الصدمة، مع تقارير عن إخفاء خسائر أكبر بفعل الرقابة العسكرية.
- رفض الحريديم للتجنيد رغم قرارات المحكمة العليا، وتحويل قوات من جبهة لبنان لضبط عنف المستوطنين في الضفة، ووصول الأزمة حد اقتراح معهد أبحاث يميني (JISS) إنشاء "فيلق أجنبي" من متطوعين غير مواطنين، وهو اعتراف ضمني بأن الخزان البشري الصهيوني لم يعد يكفي.
الدعامة الاقتصادية
الحكم: مرونة عالية مع تذبذب حاد وفاتورة متراكمةهذه أقوى دعامات الكيان وأكثرها صلابة في البيانات، وأي تحليل يتجاهل ذلك يفقد مصداقيته. لكن الصورة ليست بلا شروخ: فاتورة الحرب، خفض التصنيف الائتماني عام 2024، ونزيف الكفاءات، كلها موثقة أيضاً.
نصيب الفرد من الناتج المحلي (بالدولار، 1960-2026)
البنك الدولي وصندوق النقد. قيمة 2026 توقُّع (نحو 64 ألف دولار، متجاوزاً ألمانيا اسمياً بحسب IMF).
ميزان القوة والهشاشة الاقتصادية 2023-2026
- ▲ نمو 2025: نحو 2.9% مع تسارع حاد بعد وقف إطلاق النار في غزة (أكتوبر 2025)، وربع ثالث نما بمعدل سنوي فاق 12%.
- ▼ الانتكاسة الحاسمة: كان متوقعاً نمو يتجاوز 5% في 2026، لكن الاقتصاد انكمش 3.3% في الربع الأول (بمعدل سنوي) بفعل حرب إيران، مع هبوط الإنفاق الاستهلاكي 4.7% والصادرات 3.7%، وانكماش 4.5% على أساس نصيب الفرد. وخفضت موديز توقعها للنمو من 5% إلى 3.7%، وحذّرت من أن هدنات "هشة وواهية" تُبقي الخطر قائماً.
- ▲ بورصة تل أبيب (TA-125) صعدت نحو 50% في 2025، وبنك إسرائيل يتوقع 4% لعام 2026 و5.5% لعام 2027، بشرط معلن: ألا يتجدد القتال مع إيران، وأن تخفّ حدة جبهة لبنان، وألا ترتفع ميزانية الدفاع أكثر مما خُصص.
- ▲ بطالة نحو 3%، دين عام نحو 70% من الناتج (أقل بكثير من متوسط G7)، وقطاع تقنية يستعيد جذب رأس المال.
- ▼ بنك إسرائيل: كلفة الحرب التراكمية نحو 47 مليار دولار من الناتج المفقود.
- ▼ 2024: خفض غير مسبوق للتصنيف الائتماني من الوكالات الثلاث (موديز، S&P، فيتش) لأول مرة في تاريخ الكيان.
- ▼ عجز موازنة نحو 4.7% (2025) وضرائب جديدة بنحو 1.5% من الناتج لتمويل الحرب.
- ▼ هجرة أطباء ومهندسين وأكاديميين ضمن موجة المغادرة (القسم التالي): تهديد مباشر لمحرك "اقتصاد المعرفة".
صادرات السلاح: الدعامة الاقتصادية والسياسية المزدوجة
صادرات الأمن ليست دخلاً فحسب، بل أداة نفوذ سياسي: كل صفقة سلاح تخلق مصلحة دفاعية لدولة أخرى في استمرار العلاقة. وفق التقرير السنوي لوزارة الدفاع الإسرائيلية (يونيو 2026)، بلغت الصادرات الأمنية 19.2 مليار دولار في 2025، بارتفاع نحو 30% عن 2024 (14.8 مليار)، وهو رقم قياسي للسنة الخامسة على التوالي، وأربعة أضعاف مستوى الصادرات قبل عقد. نصف الصفقات تقريباً (نحو 10 مليارات) جاءت باتفاقيات مباشرة بين حكومة وحكومة، و53% منها صفقات تتجاوز 100 مليون دولار للواحدة.
وزارة الدفاع الإسرائيلية ومديرية سيبات (SIBAT). المفارقة التحليلية: هذه الأرقام القياسية تحققت في الذروة نفسها التي شهدت حملات المقاطعة ومحاولات استبعاد الشركات الإسرائيلية من معارض السلاح الدولية، وهي أقوى حجة مضادة لأطروحة "العزلة الشاملة". لكن التوزيع الجغرافي يكشف اعتماداً على أوروبا (36%) وآسيا (32%)، أي على الأسواق نفسها التي تشهد أعلى وتيرة لقيود التصدير والعقوبات السياسية، بينما تشكل دول الاتفاقيات الإبراهيمية 15%.
قراءة تركيبية
الاقتصاد الإسرائيلي أثبت في 2023-2026 مرونة استثنائية بمعايير دولة تخوض حرباً متعددة الجبهات، وهذه حقيقة تصب في حجة "القوة المتزايدة". لكن ما كشفه الربع الأول من 2026 أهم من الأرقام السنوية: كل تعافٍ صار مشروطاً بعدم اندلاع الجولة التالية، وكل توقع نمو مبنيّ على فرضية هدوء لم تصمد مرتين متتاليتين. ونموذج هذا الاقتصاد قائم على رأس مال بشري عالي المهارة وحرية حركة واندماج بالغرب، وهي بالضبط المدخلات التي تهددها الهجرة العكسية والعزلة الدولية والتحول الديموغرافي الداخلي. القوة الحالية حقيقية، لكنها صارت قوة اقتصاد يعمل بين حربين لا بعد حرب.الهجرة والديموغرافيا: عمود بن غوريون الأول
الحكم: انعكاس تاريخي غير مسبوقاعتبر بن غوريون الهجرة اليهودية (العاليا) شريان حياة المشروع، وقانون العودة (1950) أداتها. هنا تحديداً يقع أوضح انكسار في البيانات: للمرة الأولى في تاريخ الكيان يتحول ميزان الهجرة إلى سالب لسنتين متتاليتين (2024 و2025)، أي أن المغادرين أكثر من القادمين.
الهجرة اليهودية الوافدة (العاليا) بالآلاف، سنوات مختارة 1948-2025
دائرة الإحصاء المركزية، أرقام تقريبية. الموجات الكبرى: 1948-1951 (يهود أوروبا والبلدان العربية)، 1990-1999 (نحو مليون من الاتحاد السوفييتي المنهار)، 2022 (موجة حرب أوكرانيا). 2025: نحو 24.6 ألف فقط، بانخفاض 8 آلاف عن 2024، ومع خفض ميزانية وزارة الهجرة والاستيعاب 10%.
المغادرون لثلاثة أشهر فأكثر (بالآلاف)
دراسة جامعة تل أبيب (أغسطس 2026) على بيانات CBS: نحو 269 ألف إسرائيلي غادروا لثلاثة أشهر فأكثر خلال 2023-2025، مقابل متوسط 60 ألفاً سنوياً في عقد 2010-2019. الباحثون حذروا تحديداً من مغادرة الأطباء والمهندسين والأكاديميين.
صافي ميزان الهجرة (بالآلاف)
مركز طاوب وCBS: ميزان 2024 سالب بنحو 26 ألفاً، وتقدير 2025 سالب بنحو 37 ألفاً، مع توقع استمرار السالب في 2026. الديموغرافي سيرجيو ديلا بيرغولا: باستثناء فترات قصيرة في الخمسينيات والثمانينيات، لم يشهد الكيان قط ميزاناً كهذا. نمو السكان هبط إلى نحو 1% (الأدنى تاريخياً).
التحول الداخلي: صعود الحريديم (نسبة من السكان اليهود والعام)
تقديرات CBS ومعهد الديمقراطية الإسرائيلي. القيم بعد 2026 إسقاطات وليست وقائع. الدلالة الاستراتيجية: مجتمع نصفه لا يخدم عسكرياً ومشاركته الاقتصادية منخفضة يعني إعادة توزيع العبء على شريحة تتقلص، وهي الشريحة نفسها التي تغذي موجة المغادرة.
الميزان الديموغرافي بين النهر والبحر
الحكم: تعادل يقوّض المعادلة التأسيسيةقياس ديموغرافيا إسرائيل داخل حدودها وحدها يخفي المعادلة الحقيقية. فالسيادة الفعلية الإسرائيلية تمتد اليوم على كامل المساحة بين النهر والبحر، وهي الحقيقة التي بنت عليها محكمة العدل الدولية توصيفها القانوني. وضمن هذه المساحة، بلغ عدد اليهود والفلسطينيين حد التعادل تقريباً.
نسبة اليهود من مجموع السكان بين النهر والبحر (1948-2025)
تجميع من دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية وتقديرات الديموغرافي سيرجيو ديلا بيرغولا المنشورة في معهد INSS، وأرقام الإدارة المدنية (COGAT) التي عُرضت على الكنيست. الأرقام تقريبية والنسب مقرّبة. تنبيه منهجي: قبل 1967 لم تكن الضفة (تحت الحكم الأردني) وغزة (تحت الإدارة المصرية) خاضعتين للسيطرة الإسرائيلية، والوحدة الجغرافية تُستخدم هنا للمقارنة الديموغرافية فقط.
الأرقام والخلاف حولها
- وفق أرقام دائرة الإحصاء الإسرائيلية لنهاية 2025: 7.771 مليون يهودي و"آخرين"، و2.147 مليون عربي داخل الخط الأخضر والقدس الشرقية المضمومة.
- يُضاف إليهم نحو 3.3 مليون فلسطيني في الضفة، ونحو 2 مليون في غزة، ليقترب المجموع الفلسطيني من المجموع اليهودي.
- الاعتراف الرسمي بالتعادل جاء من داخل المؤسسة الإسرائيلية: عرض ضابط من الإدارة المدنية (COGAT) على لجنة في الكنيست أرقاماً تفيد بأن العدد "عند التعادل أو قريب منه"، فيما اعترض ممثلو المستوطنين على أرقام الجانب الفلسطيني واعتبروها مضخّمة.
- المدرسة الديموغرافية المقابلة (ديلا بيرغولا وباحثو INSS) ترى أن أغلبية يهودية واضحة تبقى قائمة داخل حدود إسرائيل نفسها حتى منتصف القرن، لكن الصورة تنقلب حين تُضاف الضفة وغزة، وهو ما يجعل السؤال سؤالاً سياسياً لا حسابياً: أي رقعة جغرافية تُعتمد وحدةً للقياس.
الأثر البنيوي: ثلاثية لا مخرج منها بلا كلفة
حين يقترب الميزان من التعادل، تصبح صيغة "دولة يهودية وديمقراطية على كامل الأرض" مستحيلة رياضياً، ويبقى ثلاثة خيارات فقط: تقسيم الأرض، أو منح المساواة الكاملة للجميع (ما يعني نهاية الطابع اليهودي للدولة كما عُرّف تأسيسياً)، أو تثبيت نظام دائم يمنح السيادة لطرف والحقوق منقوصة للآخر، وهو بالضبط ما وصفته محكمة العدل الدولية في يوليو 2024 بأنه انتهاك لحظر الفصل العنصري. وقد صاغ هذه المعضلة رؤساء حكومات إسرائيليون سابقون قبل خصومهم: حذّر إيهود أولمرت عام 2007 من أن انهيار حل الدولتين سيضع إسرائيل أمام صراع على حق التصويت المتساوي على النمط الجنوب أفريقي، وأن الدولة عندها تنتهي. وهذا هو المعنى العملي لتآكل هذه الدعامة: لا يحتاج الأمر إلى هزيمة عسكرية، بل إلى مرور الوقت.
التوسع والاستيطان: عمود بن غوريون الثاني
الحكم: تمدد مادي متواصل يشتري بالشرعية الدولية"الاستيطان يقرر الحدود" مبدأ صهيوني تأسيسي سبق الدولة نفسها. البيانات تُظهر أن هذا العمود لم يتوقف عن الصعود المادي يوماً منذ 1967، لكنه صار المصدر الأول لنزع الشرعية القانونية عن الكيان بأحكام قضائية دولية نهائية.
عدد المستوطنين في الضفة الغربية (بالآلاف، دون القدس الشرقية)
CBS وحركة السلام الآن ومجلس "ييشع"، أرقام تقريبية. يُضاف نحو 230-240 ألفاً في مستوطنات القدس الشرقية، ليتجاوز المجموع 750 ألفاً. منذ 2023 أنشأ سموتريتش "إدارة الاستيطان" داخل وزارة المالية لتسريع الضم الإداري، وتفاصيل مسار الضم وعنف المستوطنين في الجداول التالية.
من الاستيطان إلى الضم: المسار الموثق (2023-2026)
| الخطوة | التفاصيل |
|---|---|
| 2023: الضم الإداري | نقل صلاحيات مدنية واسعة في الضفة من الحاكم العسكري إلى "إدارة الاستيطان" بوزارة المالية برئاسة سموتريتش، أي إدارة الأرض بمنطق سيادة مدنية لا احتلال عسكري مؤقت. وثّقت أدبيات القانون الدولي هذا التحول بوصفه ضماً زاحفاً بحكم الأمر الواقع. |
| يوليو 2024: الحكم القضائي | محكمة العدل الدولية: سياسات الضم، فعلياً كانت أم رسمياً، غير قانونية، والسيادة لا تُكتسب بالقوة، وعلى إسرائيل إنهاء وجودها في الأرض المحتلة كلها. |
| يوليو 2025: التصويت الإعلاني | الكنيست يقرّ بأغلبية 71 مقابل 13 مذكرة إعلانية تدعو لفرض "السيادة الإسرائيلية" على الضفة الغربية، في تحدٍّ مباشر لحكم المحكمة الصادر قبل عام. |
| أغسطس 2025: مخطط E1 | المصادقة النهائية على بناء نحو 3,400 وحدة استيطانية في منطقة E1 شرق القدس، وهو المخطط الذي جُمّد عقوداً بضغط دولي لأنه يشطر الضفة إلى شمال وجنوب ويعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني. سموتريتش وصفه علناً بأنه "يدفن فكرة الدولة الفلسطينية". |
| 2026: التهجير المتصاعد | ضغط وزاري معلن لتسريع تنفيذ أوامر هدم قائمة ضد تجمع الخان الأحمر شرق القدس، مع تصاعد الهدم في القدس الشرقية ومحيطها، وفق توثيق OCHA. |
عنف المستوطنين: من هامش إلى أداة
- الوتيرة: أكثر من 1,800 اعتداء موثق خلال 2025 وحده، ثم ارتفاع المعدل إلى ست اعتداءات يومياً في 2026 (OCHA)، تشمل إحراق مساجد ومنازل ومركبات وأراضٍ زراعية.
- النتيجة: تهجير نحو 1,600 فلسطيني من تجمعات رعوية كاملة خلال 2025، ومقتل 240 فلسطينياً في الضفة في العام نفسه.
- التحول النوعي: لم يعد العنف ظاهرة هامشية تلاحقها الدولة، بل بيئة تعمل تحت مظلة وزارية: الشرطة بيد بن غفير والإدارة المدنية بيد سموتريتش، فيما اضطر الجيش لتحويل قوات من جبهة لبنان لضبطه، وفرضت دول غربية عقوبات على مستوطنين وعلى الوزيرين نفسيهما. النمط الوظيفي، كما تصفه الأدبيات، هو التهجير الصامت لتفريغ مناطق (ج) تمهيداً للضم.
المعادلة القانونية للضم: السيادة تستجلب المسؤولية
هنا يكمن التناقض البنيوي الذي لا حل له داخل منطق الضم نفسه: فرض السيادة على الأرض يعني، بموجب القانون الدولي، المسؤولية القانونية المباشرة عن سكانها. ضم الضفة يجعل إسرائيل مسؤولة عن أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني إضافي، يُضافون إلى نحو 2.1 مليون من مواطنيها العرب وإلى مليوني إنسان في غزة الخاضعة لسيطرتها الفعلية بتوصيف المحكمة، أي أكثر من سبعة ملايين فلسطيني ضمن نطاق سيادة أو سيطرة إسرائيلية. عندها يبقى خياران فقط: منحهم المواطنة الكاملة (فتنتهي الأغلبية اليهودية المضمونة كما بيّن قسم الميزان الديموغرافي)، أو حكمهم بلا حقوق متساوية، وهو التعريف الرسمي للفصل العنصري الذي وصفت المحكمة الدولية أركانه القائمة فعلاً. الضم، بهذا المعنى، لا يوسّع الدولة بل يستبدل بمشروعها التأسيسي مشروعاً آخر تتكفل بنيته القانونية بعزلته.السيطرة الاقتصادية: الاحتلال كنظام لا كوجود عسكري
الحكم: أداة تحكم متصاعدة الفاعليةالجندي ونقطة التفتيش هما الوجه المرئي للاحتلال، أما آليته الدائمة فاقتصادية. بروتوكول باريس الاقتصادي (1994)، الملحق بأوسلو، أنشأ اتحاداً جمركياً تجبي فيه إسرائيل الضرائب والرسوم على الواردات الفلسطينية وتحوّلها شهرياً للسلطة الفلسطينية تحت اسم "أموال المقاصة"، وهي المصدر الرئيسي لإيراداتها. هذا الترتيب حوّل شريان حياة الاقتصاد الفلسطيني إلى صنبور بيد الطرف الآخر.
ما وثّقه البنك الدولي (2023-2026)
- الاقتطاعات الشهرية من أموال المقاصة قفزت من نحو 200 مليون شيكل شهرياً قبل أكتوبر 2023 إلى أكثر من 460-500 مليون شيكل، أي خفض التحويل الإجمالي بأكثر من النصف.
- ابتداءً من مايو 2025 توقف التحويل بالكامل، ولم تُحوَّل أموال أشهر مايو ويونيو ويوليو وأغسطس وسبتمبر 2025 بحسب توثيق البنك الدولي.
- النتيجة المباشرة: خفض رواتب الموظفين العموميين الفلسطينيين تدريجياً إلى 70% ثم 60% ثم 50-60% في أواخر 2025، وعجز مالي بنحو 9% من الناتج، ودين عام بلغ 85.7% من الناتج بنهاية 2024.
- سوق العمل: البطالة في غزة بلغت 78% في 2025، وفي الضفة 28% بعد ذروة 35%، والتحسن النسبي في الضفة مرتبط مباشرة باستعادة جزئية لتصاريح العمل داخل إسرائيل، أي أن معدل بطالة مجتمع كامل صار متغيراً تابعاً لقرار إداري إسرائيلي.
- محكمة العدل الدولية أدرجت في رأي 2024 استغلال الموارد الطبيعية في الأرض المحتلة ضمن الممارسات غير القانونية، إلى جانب الاستيطان والضم.
البطالة: ثلاثة اقتصادات على أرض واحدة (2025)
البنك الدولي (غزة والضفة) ودائرة الإحصاء الإسرائيلية (إسرائيل). الفجوة بين 78% و3.2% داخل مساحة لا تتجاوز 27 ألف كيلومتر مربع هي التعبير الكمي الأوضح عن بنية النظام الاقتصادي القائم.
لماذا تُصنَّف هذه الدعامة صاعدة؟
بخلاف معظم الدعامات الأخرى، أداة التحكم الاقتصادي ازدادت فاعلية لا نقصاً: قدرة الطرف المسيطر على تعطيل ميزانية الطرف الآخر بقرار إداري واحد، دون إطلاق رصاصة ودون كلفة عسكرية، بلغت ذروتها في 2025. لكن للفاعلية وجهاً آخر يظهر في الأقسام السابقة: هذه الأداة نفسها هي المادة الخام التي بنت عليها المحاكم الدولية توصيفها، وهي التي دفعت المفوضية الأوروبية لربط الامتيازات التجارية بالسلوك. أي أن الدعامة تشتغل بكفاءة عالية، وتُنتج في الوقت نفسه الأدلة التي تُستخدم ضدها.
الكلفة البشرية والعمرانية: الأرقام الأممية
أي تقييم لمسار الاحتلال يبقى ناقصاً إن اقتصر على مؤشرات القوة والضعف دون قياس الأثر على السكان الخاضعين له. الأرقام أدناه من التقييم المشترك للأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي ومن وكالات أممية متخصصة، مع عرض الموقف الإسرائيلي الرافض لها.
حصيلة موثقة (أكتوبر 2023 - 2026)
| المؤشر | الرقم | المصدر |
|---|---|---|
| القتلى الفلسطينيون | أكثر من 72,600 | الحصيلة المجمّعة في تقييم الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي |
| النازحون داخلياً في غزة | نحو 1.9 مليون، أي قرابة 85% من السكان، وأغلبهم نزح أكثر من مرة | الأمم المتحدة وOCHA |
| المباني المدمرة أو المتضررة | 170,812 مبنى، نحو 69% من إجمالي مباني القطاع | UNOSAT (تحليل صور الأقمار الصناعية) |
| الإصابات المغيّرة للحياة | أكثر من 43,000، منها ما يزيد على 5,000 حالة بتر، وأعلى نسبة أطفال مبتوري الأطراف في العالم قياساً بعدد السكان | منظمة الصحة العالمية وOCHA |
| الأضرار المباشرة والخسائر الاقتصادية | 57.9 مليار دولار | التقييم السريع للأضرار والاحتياجات RDNA (الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، أبريل 2026) |
| كلفة إعادة الإعمار | نحو 71.4 مليار دولار | المصدر نفسه |
| عنف المستوطنين في الضفة | معدل ست اعتداءات يومياً خلال 2026، وأكثر من 1,800 اعتداء خلال 2025 وحده | OCHA |
| المساحة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في غزة | ارتفعت من نحو 53% عند وقف إطلاق النار (أكتوبر 2025) إلى نحو 70% في أغسطس 2026 | تشاتام هاوس وتقارير أممية |
| القتلى بعد وقف إطلاق النار | أكثر من 1,200 فلسطيني قُتلوا منذ سريان الهدنة في أكتوبر 2025 وحتى يوليو 2026 | تقارير موثقة نقلاً عن وزارة الصحة في غزة |
الموقف الإسرائيلي الرسمي: تنازع إسرائيل في تصنيف الضحايا وتقول إنها تستهدف مقاتلين وإن حماس تتخذ من المدنيين دروعاً وتتحمل مسؤولية الخسائر، وترفض بشدة استنتاج لجنة التحقيق المستقلة المكلفة من مجلس حقوق الإنسان بأن ما جرى في غزة يرقى إلى إبادة جماعية، وتصف الجهات الأممية بأنها متحيزة. تُعرض هذه المواقف هنا لاستكمال الصورة، مع ملاحظة أن أرقام الدمار العمراني تحديداً مستخلصة من صور الأقمار الصناعية وهي غير خاضعة للتقدير البشري.
"اليوم التالي" بعد ثلاث سنوات: ماذا أنتج كل هذا؟
- حماس لم تخرج من المعادلة: في 6 يوليو 2026 حلّت حماس لجنتها الحكومية وسلّمت الإدارة المدنية للجنة تكنوقراط، وفي 30 يوليو أُعلن اتفاق حول تسليم السلاح. لكن التفاصيل تكشف الحقيقة: حماس رفضت لغة "نزع السلاح" أو "الاستسلام"، ولا ترد كلمة "نزع السلاح" في خارطة ترامب أصلاً بل مصطلح "التفكيك التدريجي" على نمط أيرلندا الشمالية، وربطت حماس تنفيذها بانسحاب إسرائيلي وضمانات سياسية، رافضة تسلسل "السلاح أولاً" الذي تطالب به إسرائيل. أي أن الطرف الذي أُعلنت الحرب لإبادته سياسياً بقي طرفاً تفاوضياً بعد ثلاث سنوات وأكثر من 72 ألف قتيل.
- اعتراف إسرائيلي بالدافع: كتب معهد INSS في 3 أغسطس 2026 أن الإدارة الأميركية تدفع اتفاق نزع سلاح حماس "لتعويض الشعور بالفشل تجاه إيران". هذا اعتراف من داخل المؤسسة الإسرائيلية بأن ملف غزة يُستخدم لتغطية إخفاق أكبر.
- ولا سيادة فلسطينية: "مجلس السلام" الذي يشرف على الترتيب لا يضم أي ممثل فلسطيني، بينما يضم نتنياهو المطلوب بمذكرة اعتقال من الجنائية الدولية، والسيطرة الإسرائيلية على الأرض اتسعت لا انحسرت خلال فترة "وقف إطلاق النار" نفسها.
القانون الدولي وحقوق الإنسان: سجل الالتزام
الحكم: أوسع إدانة قضائية دولية في تاريخ الكيانيُقاس التزام إسرائيل بالقانون الدولي في هذا القسم بمعيار واحد قابل للتحقق: نصوص قرارات الهيئات القضائية والأممية المختصة، لا الآراء السياسية، مع عرض الموقف الإسرائيلي الرافض لها كي تكتمل الصورة.
السجل القضائي والأممي الموثق
| التاريخ | الجهة | المضمون |
|---|---|---|
| 1949 وما بعد | مجلس الأمن والجمعية العامة | عشرات القرارات: 194 (عودة اللاجئين)، 242 و338 (الانسحاب من أراضي 1967)، 478 (بطلان ضم القدس)، 2334 لعام 2016 (الاستيطان انتهاك صارخ للقانون الدولي). لم يُنفذ منها ما يمس جوهر الاحتلال. |
| 2004 | محكمة العدل الدولية | رأي استشاري: جدار الفصل في الضفة مخالف للقانون الدولي ويجب تفكيكه. لم يُفكك. |
| يناير-مايو 2024 | محكمة العدل الدولية | ثلاث حزم تدابير احترازية في دعوى الإبادة الجماعية المرفوعة من جنوب أفريقيا (الدعوى منظورة ولم تُحسم في الجوهر بعد). |
| 19 يوليو 2024 | محكمة العدل الدولية | الرأي الاستشاري التاريخي: الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة كلها (الضفة والقدس الشرقية وغزة) غير قانوني ويجب إنهاؤه بأسرع وقت، الاستيطان غير قانوني ويجب تفكيكه مع تعويض الفلسطينيين، وسياسات إسرائيل تنتهك حظر الفصل العنصري والتمييز العنصري (المادة 3 من اتفاقية CERD). |
| 18 سبتمبر 2024 | الجمعية العامة | قرار بتنفيذ الرأي الاستشاري ومهلة لإنهاء الوجود غير القانوني: 124 دولة مع، 14 ضد، 43 امتناع. |
| 21 نوفمبر 2024 | المحكمة الجنائية الدولية | مذكرتا اعتقال بحق نتنياهو وغالانت بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. المحكمة رفضت لاحقاً طعن إسرائيل في المقبولية، والمذكرتان قائمتان حتى الآن (مع طعون إجرائية أخرى منظورة). |
| 22 أكتوبر 2025 | محكمة العدل الدولية | رأي استشاري ثالث: التزامات إسرائيل تجاه الأمم المتحدة والأونروا وعمل المنظمات الدولية في الأرض المحتلة، بعد طلب من الجمعية العامة أيّدته 137 دولة. |
| سبتمبر 2025 | دول الاعتراف | موجة اعتراف غربية بدولة فلسطين: بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال في يوم واحد، ثم فرنسا وبلجيكا ومالطا ولوكسمبورغ وأندورا وموناكو وسان مارينو، ليتجاوز العدد 155 دولة. رد نتنياهو: "لن تقوم دولة فلسطينية". |
عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين
تجميع من مصادر أممية وصحفية. المنحنى الصاعد للاعتراف بفلسطين هو المرآة المعكوسة لمنحنى شرعية الاحتلال، وأول مرة ينضم فيها أعضاء من مجموعة السبع (بريطانيا وفرنسا وكندا).
القواعد القانونية المرجعية
- لوائح لاهاي 1907 واتفاقية جنيف الرابعة 1949: الاحتلال وضع مؤقت لا ينقل السيادة، والمادة 49 تحظر نقل سكان المحتل إلى الأرض المحتلة (أساس عدم قانونية الاستيطان كله).
- الموقف الإسرائيلي الرسمي: ينكر انطباق جنيف الرابعة على الضفة بوصفها "أراضي متنازعاً عليها"، ويرفض اختصاص الجنائية الدولية، ويصف أحكام 2024 بأنها متحيزة، ويؤكد أنه يقاتل دفاعاً عن النفس وفق القانون. هذا الموقف مرفوض من الأغلبية الساحقة لفقهاء القانون الدولي ومن المحكمتين الدوليتين.
- الخلاصة القابلة للقياس: بمعيار الامتثال للأحكام والقرارات الملزمة والاستشارية، السجل الموثق هو عدم امتثال منهجي ممتد من 1949 حتى 2026، وقد انتقل بعد 2024 من الإدانة السياسية إلى التوصيف القضائي الصريح (احتلال غير قانوني، فصل عنصري، مذكرات اعتقال).
من الإدانة إلى الإجراء: العقوبات وحظر السلاح (2024-2026)
| الإجراء | التفاصيل الموثقة |
|---|---|
| حظر سلاح كامل | سلوفينيا أول دولة في الاتحاد الأوروبي تحظر كل تجارة السلاح مع إسرائيل (أغسطس 2025) بعد إعلانها وزراء إسرائيليين أشخاصاً غير مرغوب فيهم. |
| قيود تصدير | هولندا قيدت تصدير كل السلع العسكرية ومزدوجة الاستخدام (أبريل 2025)، وبريطانيا علقت نحو 30 رخصة تصدير سلاح وجمّدت مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة (مايو 2025). |
| المفوضية الأوروبية | اقتراح رسمي (سبتمبر 2025) بتعليق البنود التجارية التفضيلية في اتفاقية الشراكة مع إسرائيل وفرض عقوبات على "وزراء متطرفين ومستوطنين عنيفين"، مع تجميد الدعم الثنائي، بعد مراجعة المادة 2 من الاتفاقية (بند حقوق الإنسان) بطلب 17 من أصل 27 وزير خارجية أوروبي. |
| مجموعة لاهاي | 13 دولة اتفقت (يوليو 2025) على حزمة تشمل حظر توريد وعبور السلاح ومنع الأموال العامة من التورط في الاحتلال. |
| عقوبات فردية | عقوبات بريطانية وأميركية وأوروبية على مستوطنين عنيفين، وشملت بريطانيا وأربع دول أخرى وزيرين إسرائيليين (بن غفير وسموتريتش) بحظر سفر وتجميد أصول (2025). |
| دعوات أممية | المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز تدعو رسمياً كل الدول لحظر سلاح شامل وتعليق كل الاتفاقيات التجارية والاستثمارية. |
الدلالة التحليلية: هذه الإجراءات ما تزال جزئية ومتعثرة داخل الاتحاد الأوروبي (بمعارضة ألمانيا والمجر أساساً)، لكنها كسرت محرّمين ظلا قائمين 75 سنة: معاقبة وزراء إسرائيليين بالاسم، وربط التجارة الأوروبية (الشريك التجاري الأول لإسرائيل) بسجل حقوق الإنسان تعاقدياً.
معركة السردية: تآكل رواية وصعود مقابلها
الحكم: انتقال المصطلحات من الهامش إلى المؤسساتالشرعية لا تُقاس بالمحاكم وحدها. السردية، أي الإطار الذي يفهم به العالم الصراع، دعامة قائمة بذاتها: هي التي تحدد ما إذا كانت القوة تُقرأ دفاعاً عن النفس أم عدواناً، والاستيطان استرداداً لأرض تاريخية أم مصادرة. والمؤشر القابل للقياس هنا ليس تغير المشاعر بل تغير المفردات المعتمدة في مؤسسات لم تكن تجرؤ على استخدامها.
سلّم توطين المصطلحات: من المحرّم إلى التوصيف الرسمي
| التاريخ | الجهة | التحول |
|---|---|---|
| يناير 2021 | بتسيلم (منظمة إسرائيلية) | أول توصيف من داخل إسرائيل للنظام كله بين النهر والبحر بأنه "أبارتايد". كسر المحرّم من الداخل قبل الخارج. |
| 2021-2022 | هيومن رايتس ووتش ثم أمنستي | أكبر منظمتين حقوقيتين دوليتين تتبنيان توصيف الفصل العنصري في تقريرين مفصلين. |
| يناير 2024 | محكمة العدل الدولية | قبول دعوى الإبادة الجماعية للنظر بوصف الادعاءات "معقولة ظاهرياً"، ما نقل المصطلح من الشعارات إلى أعلى منبر قضائي في العالم. |
| يوليو 2024 | محكمة العدل الدولية | توصيف انتهاك حظر الفصل العنصري والتمييز العنصري (المادة 3 من CERD) يصبح حكماً قضائياً لا رأي منظمات. |
| يوليو 2025 | بتسيلم وأطباء لحقوق الإنسان (منظمتان إسرائيليتان) | أول إعلان من منظمات إسرائيلية بأن ما يجري في غزة إبادة جماعية. |
| سبتمبر 2025 | الرابطة الدولية لباحثي الإبادة الجماعية (IAGS) | الهيئة الأكاديمية الأولى عالمياً في هذا التخصص تتبنى بأغلبية كبيرة قراراً يصف ما يجري في غزة بأنه يستوفي التعريف القانوني للإبادة. |
| خريف 2025 | لجنة التحقيق المستقلة المكلفة من مجلس حقوق الإنسان الأممي | خلاصة رسمية بأن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة. إسرائيل ترفض الاستنتاج بشدة وتصف اللجنة بالتحيز. |
الدلالة المنهجية: كل صف في هذا الجدول مؤسسة كان استخدامها لهذه المصطلحات قبل عقد يُعد انتحاراً مهنياً. المسار الثابت هو انتقال التوصيفات من هامش النشاط السياسي إلى قلب المؤسسات القضائية والأكاديمية والحقوقية، بما فيها الإسرائيلية.
صعود السردية الفلسطينية التاريخية
- النكبة تدخل المنظومة الرسمية: إحياء الأمم المتحدة ذكرى النكبة رسمياً لأول مرة عام 2023، بعد عقود كان فيها المصطلح نفسه خارج القاموس الدبلوماسي. والأصل الأكاديمي لهذا التحول إسرائيلي: "المؤرخون الجدد" الذين وثّقوا التهجير من الأرشيف العسكري الإسرائيلي نفسه.
- حق تقرير المصير كقاعدة آمرة: رأي المحكمة الدولية 2024 صاغ القضية بلغة السردية الفلسطينية ذاتها: شعب له حق تقرير مصير يُنتهك باحتلال غير قانوني، لا نزاع حدودي بين طرفين متكافئين.
- الاعتراف كفعل سردي: اعتراف 157 دولة بفلسطين، بينها ثلاث من مجموعة السبع، هو تبنٍّ رسمي لرواية الشعب صاحب الدولة المنتظرة.
- الجيل الجديد: البيانات في قسم التحالف الأميركي والرأي العام تُظهر أن السردية الفلسطينية صارت الإطار السائد لدى الشباب الغربي، بما في ذلك 37% من اليهود الأميركيين تحت 45 الذين يرون ما جرى في غزة إبادة.
الحملة المضادة وحدود أثر السردية
للإنصاف التحليلي، الرواية الإسرائيلية لم تُترك بلا دفاع: استثمار حكومي ضخم في الدبلوماسية العامة، وتوظيف تعريف IHRA لمعاداة السامية لتصنيف كثير من النقد ضمنها، وتشريعات وضغوط في الولايات المتحدة على الجامعات وحركات المقاطعة، ودعم رسمي أميركي صريح. وهذه الأدوات فعالة في الساحة الرسمية الأميركية تحديداً. لكن حدّها الظاهر في البيانات أنها تكسب المؤسسات ولا تكسب الأجيال: كل مؤشرات الرأي العام الشاب تتحرك باتجاه واحد رغم ذروة الإنفاق المضاد. ويبقى التحفظ المنهجي واجباً: السرديات لا تُسقط دولاً بذاتها، بل تعمل عبر القنوات الموثقة في الأقسام المجاورة، من العقوبات إلى شروط التطبيع إلى قرارات الناخب الغربي المقبل.
التطبيع الإقليمي: الدعامة المجمّدة
الحكم: صامدة في مكانها، متوقفة عن التمددسعت إسرائيل منذ التأسيس لكسر العزلة الإقليمية عبر اختراق الجدار العربي دولةً دولة. هذه الدعامة تحديداً تقدم الحجة الأقوى ضد أطروحة "الانهيار الوشيك": فالاتفاقيات القائمة لم تسقط رغم حرب امتدت أكثر من سنتين. لكنها في المقابل توقفت عن التمدد، وارتفع ثمن أي توسع جديد ارتفاعاً حاداً.
مسار الاختراق الإقليمي
| المرحلة | الحدث | الاتجاه |
|---|---|---|
| 1979 | كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع مصر مقابل الانسحاب من سيناء | ▲ أول اختراق، وأخرج أكبر جيش عربي من المعادلة |
| 1994 | معاهدة وادي عربة مع الأردن، وفتح مكاتب تمثيل في المغرب وتونس وقطر وعُمان في أجواء أوسلو | ▲ ذروة الانفتاح |
| 2000-2002 | إغلاق معظم مكاتب التمثيل مع اندلاع الانتفاضة الثانية، وطرح مبادرة السلام العربية (2002) التي تشترط الانسحاب مقابل التطبيع الشامل | ▼ انتكاسة |
| 2020 | الاتفاقيات الإبراهيمية: الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، ثم انضمام كازاخستان لاحقاً | ▲ اختراق نوعي بلا ثمن فلسطيني يُذكر |
| 2023 | مفاوضات سعودية أميركية متقدمة كانت تتضمن تنازلات فلسطينية محدودة فقط | ▲ اقتراب من الجائزة الكبرى |
| يوليو-أغسطس 2026 | الحوثيون يعلنون حصاراً بحرياً على السعودية (20 يوليو) رداً على ما يصفونه بحصار مفروض على اليمن منذ 12 عاماً، ويضربون منشآت أرامكو في ينبع وجازان بصواريخ باليستية ومسيّرات في أول ضربة من نوعها منذ 2022، ويستهدفون ناقلات سعودية. وفي الوقت نفسه يبقى مضيق هرمز مغلقاً منذ 28 فبراير | ▼ الشريك الإقليمي المفترض صار هو نفسه هدفاً، والممران المائيان الأهم خارج السيطرة |
| 2024-2026 | تصلّب الموقف السعودي علناً: لا علاقات دبلوماسية دون قيام دولة فلسطينية مستقلة، وموقف مماثل من إندونيسيا. وفي يوليو 2026 ربط الرئيس الأميركي اتفاق التعاون النووي المدني مع الرياض بالانضمام للاتفاقيات الإبراهيمية، دون إعلان سعودي بالانضمام حتى الآن | ▬ تجميد وارتفاع الثمن |
ما تكشفه هذه الدعامة
- الصمود حقيقي: لم تقطع أي دولة من الاتفاقيات الإبراهيمية علاقاتها رغم الحرب، وبلغت صادرات السلاح الإسرائيلية لهذه الدول 15% من إجمالي الصادرات في 2025. سقوط نظام الأسد فتح كذلك نقاشاً حول مسار سوري.
- التجميد حقيقي أيضاً: عملة التطبيع تغيّرت. ما كان يُشترى قبل 2023 بتنازلات رمزية صار ثمنه المعلن دولة فلسطينية، أي أن الحرب أعادت القضية الفلسطينية إلى قلب شرط التطبيع بعد أن كادت تخرج منه.
- وعامل جديد يقلب المعادلة: منطق التطبيع كان قائماً على أن إسرائيل تجلب الأمن لشركائها في مواجهة إيران. لكن حرب 2026 أنتجت العكس: إغلاق هرمز الذي يضرب اقتصادات الخليج مباشرة، وحصار حوثي على السعودية وضرب منشآتها النفطية، وضربات على منشآت في مصر والبحرين والكويت والأردن. الشريك الذي يجلب الحرب إلى بيتك لا يُشترى تطبيعه بسهولة، وهذا يفسر لماذا لم يعد الثمن قابلاً للدفع.
- الرأي العام الإسرائيلي: استطلاع مايو 2025 أظهر أن 61% من الإسرائيليين يؤيدون التطبيع مع السعودية وتوسيع الاتفاقيات، وثلثاهم يرون أن ذلك يقوّي إسرائيل. أي أن الطلب الإسرائيلي قائم والعرض الإقليمي هو الذي تغيّر شرطه.
التوتر مع الشركاء القائمين
حتى الدول التي حافظت على العلاقة دفعت كلفة داخلية. الضربة الإسرائيلية في الدوحة على أرض دولة تستضيف قاعدة أميركية، والعمليات الممتدة في عدة دول مجاورة، خلقت لدى العواصم الإقليمية صورة دولة تعمل عسكرياً عبر حدود متعددة، وهي صورة تجعل التطبيع كلفةً سياسية لا مكسباً. هذا ما يفسر التناقض الظاهري: الدعامة لم تنكسر، لكنها فقدت قدرتها على النمو، وهو ما يجعل تصنيفها "ثابتة" لا "صاعدة".
التحالف الأميركي والرأي العام الغربي
الحكم: المظلة الرسمية قائمة، وقاعدتها الشعبية تنقلبهذا هو عمود بن غوريون الرابع (التحالف مع قوة عظمى)، وربما أخطر المؤشرات طويلة المدى في هذه الدراسة كلها: لأول مرة منذ بدء القياس عام 2001، تعاطف الأميركيين مع الفلسطينيين تجاوز تعاطفهم مع الإسرائيليين.
تعاطف الأميركيين: إسرائيليون مقابل فلسطينيين (غالوب 2001-2026)
مؤسسة غالوب، سلسلة World Affairs السنوية، أرقام تقريبية للسنوات الوسيطة ودقيقة لسنوات المفاصل. فبراير 2026: 41% يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين مقابل 36% مع الإسرائيليين، أول انقلاب في ربع قرن من القياس.
تفكيك الرقم: من أين يأتي الانقلاب؟
- جيلياً: بين 18-34 سنة، أغلبية تتعاطف مع الفلسطينيين و23% فقط مع الإسرائيليين (أدنى قراءة تاريخية). وبين 35-54 سنة: 46% مع الفلسطينيين مقابل 28%، وهو انقلاب شبه كامل خلال سنة واحدة. حتى فوق 55 سنة، هبط التعاطف مع الإسرائيليين دون 50% لأول مرة منذ 2005.
- حزبياً: الديمقراطيون انقلبوا منذ 2023-2025 (59% مع الفلسطينيين في 2025)، والمستقلون انحازوا للفلسطينيين بفارق 11 نقطة في 2026، والجمهوريون ما زالوا مع إسرائيل (70%) لكن بتراجع 10 نقاط في عقد، وهبطت نظرتهم الإيجابية لإسرائيل 15 نقطة في سنة واحدة إلى أدنى مستوى في أكثر من عقدين.
- سلوكياً: تأييد العملية العسكرية في غزة هبط إلى 32% (يوليو 2025)، وهو أدنى رقم منذ بدء القياس.
لماذا هذا المؤشر تحديداً استراتيجي؟
الدعم الأميركي الرسمي (سلاح، فيتو، تمويل) لم يتغير جوهرياً بعد، وهذا ما يجعل دعامة التحالف "ثابتة" في لوحة المؤشرات أعلاه. لكن السياسة الخارجية الأميركية تتبع الرأي العام بتأخير جيل تقريباً: الجيل الذي يرى إسرائيل اليوم دولة فصل عنصري سيكون صانع القرار بعد 15-25 سنة. معهد INSS الإسرائيلي نفسه وثّق في يوليو 2026 "أزمة متعمقة مع الإدارة الأميركية وخلافات علنية وانعدام ثقة ظاهراً"، ووصف العلاقة مع واشنطن بأنها تلقت "ضربة قاسية ومقلقة في المحور الأكثر حيوية للأمن القومي". حين يلتقي انقلاب شعبي معمم مع توتر رسمي موثق، يصبح افتراض ديمومة المظلة الأميركية افتراضاً وليس معطى.
يهود الشتات: العمود الذي يُقاس نادراً
اعتمد المشروع الصهيوني منذ التأسيس على يهود الشتات، وخاصة يهود الولايات المتحدة، بوصفهم خزان الهجرة والتمويل والضغط السياسي. البيانات الحديثة تُظهر أن الرابطة لم تنقطع لكنها تتغير جوهرياً بين الأجيال.
استطلاع AP-NORC (يونيو 2026، 1,022 يهودياً بالغاً ضمن عينة 3,040، هامش خطأ 5 نقاط للعينة اليهودية).
- استطلاع اتحاد الفدراليات اليهودية في أميركا (JFNA، مارس 2025): نحو تسعة من كل عشرة يهود أميركيين يؤيدون حق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية وديمقراطية، وأكثر من 70% يشعرون بارتباط عاطفي بها، لكن الثلث فقط يعرّفون أنفسهم بأنهم "صهاينة"، وثلث الشباب اليهود يصفون أنفسهم بأنهم غير صهاينة أو معادون للصهيونية.
- استطلاع مركز Jewish Voter Resource (2026): 24% من اليهود الأميركيين البالغين يؤيدون حل الدولة الواحدة، أي ما يقارب ضعف نسبة 13% قبل سنتين، وترتفع النسبة إلى 51% بين غير الأرثوذكس تحت 35 سنة.
- القراءة التحليلية: الانفصال ليس عن اليهودية بل عن إسرائيل تحديداً. الاستطلاع نفسه يُظهر أن الجيل الأصغر أكثر تمسكاً بالأعياد والشعائر والهوية الثقافية من الجيل الأكبر، وأقل ربطاً لهويته الدينية بدعم إسرائيل. وقد وصف مسؤولون إسرائيليون في وزارة شؤون الشتات هذه العلاقة صراحة بأنها "أصل استراتيجي" مهدد.
التحول في السياسة الأميركية: من المحرّم إلى رأس مال انتخابي
الحكم: انقلاب القاعدة الذهبية القديمةلعقود حكمت السياسة الأميركية قاعدة ذهبية واحدة: دعم إسرائيل شرط النجاح السياسي، وانتقادها انتحار سياسي. هذا القسم يوثق انقلاب هذه القاعدة من ثلاث زوايا: اعتراف القمة التنفيذية نفسها، وصعود سياسيين جعلوا دعم فلسطين رأس مالهم الانتخابي، وتمرد داخل اليمين المحافظ ذاته.
أولاً: اعتراف القمة، ترامب وفانس بالنص الحرفي
"قبل نحو 15 عاماً، كانت إسرائيل تملك أقوى لوبي. لو كنت سياسياً، لا يمكنك أن تقول أي شيء سيئ عن إسرائيل، كان ذلك بمثابة نهاية مسيرتك السياسية. اليوم، الوضع معكوس تقريباً." الرئيس دونالد ترامب، مقابلة مع صحيفة يسرائيل هيوم الإسرائيلية، مارس 2024.
"كانت إسرائيل تملك أقوى لوبي في الكونغرس من أي جهة أو شركة أو دولة رأيتها على الإطلاق... كانت تملك سيطرة كاملة على الكونغرس، والآن لم تعد كذلك، وأنا متفاجئ قليلاً من رؤية ذلك." الرئيس دونالد ترامب، مقابلة في المكتب البيضاوي مع موقع Daily Caller، 29 أغسطس 2025 (نُشرت 1 سبتمبر 2025). وDaily Caller موقع إخباري أميركي محافظ شارك في تأسيسه تاكر كارلسون عام 2010، أي أن الاعتراف جاء في منبر يميني صديق لترامب، لا في إعلام معادٍ له.
"أقول إن هناك فرقاً بين عدم الإعجاب بإسرائيل (أو الاختلاف مع سياسة إسرائيلية معينة) وبين معاداة السامية." نائب الرئيس جي دي فانس، منشور على منصة إكس، 15 ديسمبر 2025، في نقض علني مباشر لمعادلة نتنياهو التي تجعل كل انتقاد لإسرائيل معاداة للسامية. وسبقه وتلاه سلسلة تصريحات أغضبت الإسرائيليين: تحذيره العلني لوزراء إسرائيليين (يونيو 2026) بأنه "لو كنت في الحكومة الإسرائيلية لما هاجمت الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم كله"، وقوله في بودكاست جو روغان (16 يوليو 2026) إن إسرائيل "تخسر معركة" الرأي العام الأميركي مع اتهامه مسؤولين إسرائيليين بإدارة حملة تأثير سرية على المحافظين الشباب، وصولاً إلى مواجهة علنية بينه وبين نتنياهو (يوليو 2026) بسبب انتقاداته، وهجوم صحافة إسرائيلية عليه واتهامه باستخدام "خطاب معادٍ للسامية". أن يصدر هذا كله عن الرجل الثاني في الإدارة الأكثر دعماً لإسرائيل رسمياً، والمرشح الأوفر حظاً لخلافة ترامب، تحول تاريخي في حد ذاته.
ثانياً: صعود من جعلوا فلسطين رأس مالهم الانتخابي
| الاسم | ما جرى | الدلالة |
|---|---|---|
| زهران ممداني عمدة نيويورك | انتُخب في 4 نوفمبر 2025 أول عمدة مسلم لأكبر مدينة أميركية، وموقفه المؤيد لفلسطين ووصفه ما يجري في غزة إبادةً كانا في قلب حملته لا عبئاً عليها، ونال ثلث أصوات يهود المدينة رغم دعوات حاخامات بارزين للتصويت ضده. باحثون وصفوا حملته بأنها "قامت على هذا الموقف لا رغم وجوده". | ▼ سقوط القاعدة في عاصمة يهود العالم الثانية، وذعر إسرائيلي رسمي معلن من الفوز |
| عبدالرحمن السيد مرشح مجلس الشيوخ، ميشيغان | فاز في 4 أغسطس 2026 بالانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس الشيوخ متغلباً على مرشحة المؤسسة الحزبية، رغم إنفاق لجنة مرتبطة بإيباك (United Democracy Project) أكثر من 30 مليون دولار ضده منذ يونيو وحده. | ▼ المال السياسي المؤيد لإسرائيل فقد قدرته الحاسمة |
| رشيدة طليب عضو الكونغرس، ميشيغان | صوّت مجلس النواب على توبيخها رسمياً في 7 نوفمبر 2023 (234 مقابل 188) بسبب مواقفها من حرب غزة، وهي الفلسطينية الوحيدة في الكونغرس. وفي 4 أغسطس 2026 فازت بالتمهيدية لولاية خامسة، ومنظمات داعمة لها تعلن صراحة أن "إنهاء الإبادة في غزة" من أسباب دعمها. | ▼ العقوبة التي كانت تنهي المسيرات صارت وساماً انتخابياً |
| إلهان عمر عضو الكونغرس، مينيسوتا | فُصلت من لجنة الشؤون الخارجية في 2 فبراير 2023 (قبل حرب غزة بثمانية أشهر) على خلفية تصريحات من 2019 عن المال السياسي لإيباك في الكونغرس، ثم واصلت الفوز بمقعدها في كل دورة. | ▬ شاهد على قواعد الحقبة السابقة: العقوبة نُفذت لكنها لم تُنهِ المسيرة |
ثالثاً: التمرد داخل اليمين المحافظ نفسه
- مارجوري تايلور غرين: القصة الأكثر دلالة في القائمة كلها. في نوفمبر 2023 كانت هي من قدّمت قرار توبيخ رشيدة طليب بسبب انتقادها لإسرائيل. وفي 28 يوليو 2025 صارت أول جمهورية في الكونغرس تصف ما يجري في غزة بأنه "إبادة جماعية"، فهاجمتها إيباك رسمياً واضعة إياها في خانة واحدة مع طليب وعمر بوصف موقفها "خيانة للقيم الأميركية"، فردّت بتحدٍّ علني: "هاتوا ما عندكم". ثم استقالت من الكونغرس في نوفمبر 2025 بعد قطيعة مع ترامب شملت ملف غزة. رحلة سنتين من رأس حربة الدفاع عن إسرائيل إلى اتهامها بالإبادة تختصر التحول الجيلي في القاعدة الجمهورية.
- توماس ماسي: النائب الجمهوري الأكثر ثباتاً في التصويت ضد المساعدات لإسرائيل وضد قرارات دعمها، ومستهدف من إيباك بحملات بملايين الدولارات، وصاحب التصريح الشهير بأن كل زملائه الجمهوريين لهم "مرافق من إيباك" إلا هو.
- تاكر كارلسون: أوسع منابر اليمين الإعلامي الجديد جمهوراً، فتح منصته لأشد منتقدي إسرائيل في المعسكر المحافظ، وأحرجت مقابلته مع السيناتور تيد كروز (يونيو 2025) الخطاب الصهيوني المسيحي أمام جمهوره نفسه.
- كانديس أوينز: انفصلت عن مؤسسة Daily Wire اليمينية في مارس 2024 على خلفية خلافها حول إسرائيل، وواصلت خطاباً أشد نقداً أمام جمهور بعشرات الملايين.
- ديف سميث: أبرز صوت ليبرتاري شاب في الإعلام الأميركي الجديد يجعل نقد إسرائيل والتمويل الأميركي لها محوراً ثابتاً.
- وفي الكونغرس بالأرقام: قرارات حجب صفقات السلاح عن إسرائيل ارتفع مؤيدوها من 19 سيناتوراً ديمقراطياً في 2024 إلى 24 في 2025، بينهم 7 من أصل 10 أعضاء يهود في مجلس الشيوخ. وبين الجمهوريين الشباب تحت الخمسين، بلغت النظرة السلبية لإسرائيل 50% (بيو، مارس 2025).
رابعاً: من متلقٍّ للمساعدات إلى شريك، أم من دولة إلى ذراع؟
في مايو 2026 أُدرجت في مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي لسنة 2027 (NDAA) مادة تحمل رقم 224 في نسخة لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، بعنوان "مبادرة التعاون في تكنولوجيا الدفاع بين الولايات المتحدة وإسرائيل"، تقضي بتعيين وكيل تنفيذي في البنتاغون لتعزيز "التكامل طويل الأمد للقدرات المشتركة"، ويشمل الذكاء الاصطناعي والسيبراني ومكافحة المسيّرات والدفاع الصاروخي والحوسبة الكمّية. وكان نتنياهو قد كتب لعضو الكونغرس مارلين ستوتزمان في يونيو 2026 أن الوقت حان للانتقال "من متلقٍّ للمساعدات إلى شريك".
وللدقة: جهات تدقيق عدة (سنوبس، بوليتيفاكت، ومؤسسات مؤيدة لإسرائيل) تؤكد أن النص لا يدمج الجيشين ولا ينشئ قيادة موحدة، بل يؤسس إطاراً قانونياً دائماً للتعاون التقني. لكن حتى بهذا التوصيف المحافظ، النقد الجوهري قائم: المادة تثبّت العلاقة داخل البنتاغون بحيث يصعب على أي إدارة مقبلة التراجع عنها. وقد عارضتها من طرفي الطيف ألكسندريا أوكاسيو كورتيز التي قالت إنها "تدمج أجزاء من جيشنا مع جيش الاحتلال"، وتوماس ماسي الذي قال إن أميركا لا يجب أن "تدمج تقنيتها العسكرية وسلسلة توريدها مع إسرائيل".
الدلالة التحليلية: هذه المادة تُقرأ عادة كدليل على قوة النفوذ الإسرائيلي، وهي كذلك فعلاً. لكن لها قراءة معاكسة لا تقل وجاهة: دولة تسعى لتثبيت علاقتها قانونياً بحيث لا تستطيع الإدارات المقبلة الانسحاب منها، هي دولة تدرك أن الدعم الطوعي في طريقه للتراجع. التحصين القانوني سلوك من يخشى المستقبل لا من يثق به، وهو يأتي في اللحظة نفسها التي يعترف فيها الرئيس الأميركي بأن اللوبي فقد سيطرته على الكونغرس.
الخلاصة التحليلية للقسم
القاعدة الذهبية القديمة لم تضعف فحسب بل انقلبت من طرفيها معاً: عند الديمقراطيين صار دعم فلسطين العلني رأس مال انتخابياً يكسب المدن الكبرى والولايات المتأرجحة رغم أموال اللوبي، وعند الجمهوريين صار انتقاد إسرائيل ممكناً دون انتحار سياسي بل بتصفيق قاعدة "أميركا أولاً". وحين يصف الرئيس الأميركي نفسه هذا الانقلاب علناً، ويقود نائبه ووريثه المحتمل الاتجاه الجديد، فالمسألة لم تعد هامشاً احتجاجياً بل إعادة تشكيل بنيوية للسياسة الأميركية تجاه إسرائيل، تسبق ترجمتها الرسمية الكاملة بجيل واحد على الأكثر.التماسك الداخلي: الدعامة الصامتة
الحكم: أخطر مناطق التآكل وأكثرها توثيقاًوحدة مؤسسات الدولة (ما سماه بن غوريون "الممْلَختيوت") كانت شرط بقاء مشروع مبني على مجتمع مهاجرين شديد التنافر. المفارقة أن أقوى التحذيرات من انهيار هذه الدعامة تصدر اليوم من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها، لا من خصومها.
مؤشرات الشرخ الموثقة (2023-2026)
- مؤشر الاستقطاب الوطني 2026 (معهد أغام وجامعة تل أبيب): 6% من الجمهور يؤيدون العنف لتحقيق هدف مهم، وترتفع النسبة إلى 11% إذا كان الهدف "إنقاذ الديمقراطية"، و31% مستعدون للقبول بانقسام الأمة مقابل الحفاظ على مبادئ معسكرهم. واضعو الدراسة وصفوها بأنها "تقرير طوارئ".
- أزمة الانقلاب القضائي 2023: أكبر حركة احتجاج في تاريخ الكيان، إضرابات طيارين وضباط احتياط عن الخدمة، وتحذير رئيس الأركان الأسبق دان حالوتس من أن الإسرائيليين قد يجدون أنفسهم "على جانبي متراس" واحد.
- أزمة تجنيد الحريديم: عصيان شبه معلن لقرارات المحكمة العليا، وأزمة ائتلافية دائمة، وعبء عسكري يتركز على شريحة تتقلص.
- المستوطنون في مواجهة الدولة: سيطرة بن غفير على الشرطة وسموتريتش على الإدارة المدنية للضفة، وتحويل قوات من الجبهات لضبط عنف المستوطنين (تفصيله في قسمي الدعامة العسكرية والاستيطان)، وقلق أميركي معلن من التوسع الاستيطاني: ما وصفه محللون إسرائيليون بصعود "دولة يهودا" داخل دولة إسرائيل.
- الانقسام البنيوي كما تصفه الأدبيات: ليس يميناً ويساراً، بل معسكر "السيادة الأيديولوجية" (مستوطنون، صهيونية دينية، وزراء يرون المحاكم عائقاً) مقابل معسكر "الدولة المؤسسية" (جنرالات سابقون، قضاة، احتياط، نخبة اقتصادية علمانية ترى بقاء إسرائيل مرهوناً بالمهنية العسكرية والشرعية الدولية).
- انتخابات 2026: ائتلاف هش وتحذيرات متكررة في الصحافة الإسرائيلية من سيناريوهات عدم تسليم سلطة أو تعطيل انتخابات، وهي تكهنات وليست وقائع، لكنها صارت جزءاً من النقاش العام الإسرائيلي ذاته.
أعمدة بن غوريون: التقييم عموداً عموداً
صاغ بن غوريون عقيدة تأسيسية يمكن تلخيصها في ستة أعمدة، مع مقولته الشهيرة إن إسرائيل "لا تستطيع تحمّل خسارة حرب واحدة" بينما يستطيع العرب الخسارة مراراً. هذا هو حالها في 2026 وفق البيانات أعلاه:
| العمود | مضمونه | حالته 2026 | الاتجاه |
|---|---|---|---|
| 1. الهجرة اليهودية المستمرة | العاليا شريان الحياة، وقانون العودة أداتها | ميزان هجرة سالب لأول مرة (2024-2025)، وعاليا 2025 نحو 24.6 ألفاً فقط، ونزيف كفاءات موثق | ▼ انكسار تاريخي |
| 2. الاستيطان يقرر الحدود | التوسع المستمر في الأرض | أكثر من 750 ألف مستوطن ومشاريع ضم إداري، مقابل حكم قضائي دولي نهائي بعدم قانونية الوجود كله | ◆ صعود مادي بخسارة شرعية |
| 3. الحسم السريع وعدم خسارة أي حرب | حروب قصيرة على أرض الخصم لأن إسرائيل لا تحتمل الاستنزاف | أطول حرب في تاريخها (2023-2025)، ثم حرب إيران في 2026 بلا تحقيق أي من أهدافها المعلنة، وعودة لاحتلال جنوب لبنان، وثلاث جبهات مفتوحة في آن. تفوق ناري بلا حسم سياسي، و7 أكتوبر أكبر فشل ردعي منذ 1973 | ▼ العقيدة ذاتها تآكلت |
| 4. التحالف مع قوة عظمى | فرنسا ثم أميركا: مظلة سلاح وفيتو | الدعم الرسمي الأميركي ثابت، لكن ثلاثة من حلفاء واشنطن الأقربين اعترفوا بفلسطين رغم معارضتها، والرأي العام الغربي الشاب يتحول بوتيرة موثقة في الاستطلاعات | ▬ ثابت رسمياً، متآكل شعبياً |
| 5. الممْلَختيوت (وحدة مؤسسات الدولة) | جيش واحد، قانون واحد، دولة فوق القبائل | انقلاب قضائي، عصيان حريدي، ميليشيات مستوطنين، شرطة مؤدلجة، ومؤشر استقطاب يصفه واضعوه بتقرير طوارئ | ▼ أوضح الأعمدة انهياراً |
| 6. الردع النووي والتفوق النوعي | ديمونا والغموض النووي والتفوق التقني | التفوق التقني والنووي قائم بلا منازع. لكن "الردع" بمعناه الوظيفي، أي منع الخصم من الفعل، لم يعد قائماً: إيران ضُربت مرتين ولم تتفكك، وأغلقت هرمز ولا يزال مغلقاً، والحلفاء من لبنان لليمن دخلوا الحرب بدل أن يرتدعوا | ▬ تفوق تقني ثابت، وردع فعلي متآكل |
مصفوفة الحقب: كل دعامة عبر الزمن
التقييم السنوي المنفصل غير ممكن منهجياً لمؤشرات نوعية كالردع والشرعية والتماسك، لذا يعتمد هذا الجدول تقسيماً بعشر حقب استراتيجية، وهو المنهج المتبع في مراكز الدراسات. المفتاح: ▲ صعود، ▬ ثبات، ▼ هبوط، ▼▼ هبوط حاد، ◆ اتجاه مزدوج (صعود في وجه وهبوط في آخر ضمن الحقبة نفسها).
| الدعامة | 48-56 | 57-66 | 67-73 | 74-84 | 85-92 | 93-2000 | 01-08 | 09-19 | 20-23 | 23-26 |
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| العسكرية والردع | ▲ | ▲ | ▲ | ▬ | ▬ | ▼ | ▬ | ▲ | ▬ | ◆ |
| الاقتصاد | ▬ | ▲ | ▲ | ▼ | ▬ | ▲ | ▲ | ▲ | ▲ | ◆ |
| الهجرة اليهودية | ▲ | ▬ | ▬ | ▼ | ▲ | ▲ | ▼ | ▬ | ▲ | ▼ |
| التوسع والاستيطان | ▲ | ▬ | ▲ | ▲ | ▲ | ▲ | ▲ | ▲ | ▲ | ▲ |
| الشرعية الدولية | ▲ | ▲ | ▬ | ▼ | ▬ | ▲ | ▼ | ▬ | ▬ | ▼▼ |
| التماسك الداخلي | ▲ | ▲ | ▲ | ▬ | ▬ | ▼ | ▬ | ▼ | ▼ | ▼▼ |
| التحالف الأميركي | ▬ | ▲ | ▲ | ▲ | ▲ | ▲ | ▲ | ▬ | ▬ | ▬ |
| الميزان الديموغرافي | ▲ | ▲ | ▼ | ▼ | ▼ | ▲ | ▼ | ▼ | ▼ | ▼ |
| التطبيع الإقليمي | ▼ | ▼ | ▬ | ▲ | ▬ | ▲ | ▼ | ▬ | ▲ | ▬ |
تقييم تحليلي مبني على البيانات المعروضة في الأقسام السابقة. خانة الدعامة العسكرية في 23-26 مزدوجة الاتجاه لأن التفوق الناري بلغ ذروته التاريخية بينما انهارت وظيفة الردع نفسها. أمثلة أخرى على المنطق: هبوط الشرعية 74-84 (قرار "الصهيونية عنصرية" 1975 وحرب لبنان)، صعودها 93-2000 (أوسلو وموجة تطبيع)، هبوطها المزدوج 23-26 (أحكام لاهاي والجنائية وموجة الاعتراف بفلسطين). اغتيال رابين 1995 نقطة انعطاف التماسك الداخلي. صعود الميزان الديموغرافي في حقبة 93-2000 يعود لموجة الهجرة السوفييتية التي أخّرت التعادل عقداً كاملاً.
القراءة التركيبية الكاملة لهذه المصفوفة في قسم الخلاصة الختامي للدراسة.
المقارنات التاريخية والسيناريوهات المنشورة
هذا القسم تحليل نوعي، لا تنبؤ زمنيحدود هذا القسم المنهجية
هذه الدراسة لا تضع أي جدول زمني لمستقبل الكيان، لأن التنبؤ بمصائر الدول ليس علماً قابلاً للقياس: لم يتنبأ أحد بسقوط الاتحاد السوفييتي قبل عامين من حدوثه. ما يقدمه هذا القسم بدلاً من ذلك ثلاثة عناصر تحليلية مشروعة: أنماط النهايات في حالات تاريخية يُقاس عليها في الأدبيات، والنقاش الإسرائيلي الداخلي نفسه حول هشاشة الدولة، والسيناريوهات المنشورة فعلاً في الصحافة ومراكز الأبحاث مع المؤشرات المبكرة القابلة للرصد لكل سيناريو. القيمة هنا في فهم آليات التحول، لا في توقيته.أنماط النهايات التاريخية كما ترد في أدبيات المقارنة
| الحالة | المدة | نمط النهاية | حدود القياس على الحالة الإسرائيلية |
|---|---|---|---|
| الإمبراطورية البريطانية | نحو 50 سنة من ذروة 1920 إلى ذوبان الجوهر (الهند 1947، السويس 1956، ثم التفكيك حتى 1997) | تفكك تدريجي بإنهاك اقتصادي وصعود حركات التحرر وتغير المزاج الدولي، دون سقوط الدولة الأم | بريطانيا تخلت عن مستعمرات بعيدة وبقيت بريطانيا. الكيان مشروعه في الأرض ذاتها، فلا "وطن أم" ينسحب إليه كله، وهذا يجعل القياس ناقصاً بنيوياً |
| الاتحاد السوفييتي | 69 سنة (1922-1991) | انهيار داخلي مفاجئ: إنهاك عسكري (أفغانستان)، أزمة اقتصادية، فقدان الإيمان بالمشروع لدى النخبة نفسها | أقرب نموذج لفرضية "التآكل الداخلي أخطر من الهزيمة الخارجية"، وهو النموذج الذي يستحضره كتّاب إسرائيليون أنفسهم |
| الجزائر الفرنسية | 132 سنة (1830-1962) | استنزاف مقاومة طويل + انقسام فرنسا الداخلي (تمرد الجنرالات ومنظمة OAS) + انهيار الشرعية الدولية | النموذج المفضل في الأدبيات الفلسطينية: استيطان في أرض ملاصقة انتهى برحيل مليون مستوطن. الفارق: مستوطنو الجزائر كان لهم "وطن أم" يعودون إليه |
| أبارتايد جنوب أفريقيا | 46 سنة كنظام رسمي (1948-1994) | عزلة ومقاطعة وعقوبات + مقاومة داخلية + كلفة اقتصادية خانقة، وانتهى بتفكيك النظام لا الدولة | القياس الأكثر تداولاً بعد توصيف لاهاي 2024 للفصل العنصري. نهايته كانت تحولاً في طبيعة النظام (دولة واحدة بمساواة) وليس زوال كيان |
| الممالك الصليبية | 88 سنة حتى حطين، و192 حتى عكا 1291 | هزيمة عسكرية خارجية بعد قطع شريان الدعم الأوروبي وتفكك داخلي | القياس الأقدم في الأدبيات العربية، وحدوده أن بنية العالم تغيرت جذرياً (سلاح نووي، نظام دولي، اقتصاد معولم) |
| يوغوسلافيا | 74 سنة (1918-1992) | حرب أهلية هوياتية بعد زوال العامل الموحِّد | النموذج الذي يستدعيه سيناريو الحرب الأهلية الإسرائيلي: شعوب متعددة جمعتها دولة واحدة ففككها الاستقطاب |
القيمة التحليلية للجدول ليست في المدد بل في الآليات: كل الحالات تشترك في أن القوة العسكرية كانت آخر ما ينهار، وأن العوامل الحاسمة كانت مزيجاً من كلفة استنزاف متراكمة، وفقدان شرعية دولية، وانقسام داخلي في مجتمع المشروع نفسه. وهي الأعمدة الثلاثة التي رُصد اتجاهها في الأقسام السابقة.
"لعنة العقد الثامن": النقاش الإسرائيلي الداخلي
من المفارقات أن أشهر أطروحة عن فناء إسرائيل إسرائيلية المنشأ: فكرة أن الكيانين اليهوديين السياديين السابقين (مملكة داود-سليمان قبل الانقسام، ودولة الحشمونائيم) لم يتجاوزا عقدهما الثامن موحدَين، إذ فتكت بهما الحرب الأهلية الداخلية لا العدو الخارجي. إيهود باراك كتب عنها مراراً محذراً، ونتنياهو نفسه أشار إليها في خطاب علني بوصفها هاجساً يجب كسره. إسرائيل دخلت عقدها الثامن عام 2018 وتبلغ 78 عاماً في 2026. القيمة العلمية للأطروحة كتنبؤ صفر (حالتان لا تصنعان قانوناً تاريخياً)، لكن المعطى القابل للقياس ليس صحة النبوءة بل انتشارها، وهذه له دلالة علمية في ثلاثة اتجاهات:
- مؤشر على طبيعة الكيان لا على مستقبله: الدول المستقرة طبيعياً لا تناقش فناءها. فرنسا لا تتساءل هل ستبقى فرنسا. والحديث المتكرر عن الزوال، ومعه خطاب "الحرب الوجودية" و"النصر المطلق أو الزوال" الذي كرره رئيس الحكومة والقادة الأمنيون بعد 7 أكتوبر، سمة كيانات تدرك أن وجودها قائم على ترتيب قابل للنقض لا على استقرار طبيعي.
- وظيفة سياسية داخلية: لغة الوجود المهدد تُستخدم أيضاً أداة تعبئة وتبرير: كل كلفة تصبح مقبولة، وكل نقد يصبح خطراً، وكل مؤسسة رقابية تصبح عائقاً. وهذا الاستخدام موثق في الأدبيات الإسرائيلية النقدية نفسها.
- أثر مادي مرصود: الاعتقاد بأن الوجود مهدد ليس فكرة معلقة، بل يُترجم في البيانات الموثقة في هذا البحث: ميزان هجرة سالب، ونحو 269 ألف مغادر خلال ثلاث سنوات، وبحث متزايد عن جنسية ثانية. من يعتقد أن مشروعه قد ينتهي يتصرف على هذا الأساس، وهذا ما تقيسه أرقام دائرة الإحصاء الإسرائيلية نفسها.
سيناريو سيطرة المستوطنين والحرب الأهلية
سيناريو صدام الدولة مع تيار المستوطنين حاضر بقوة في الصحافة الأميركية منذ 2023: كتب توماس فريدمان في نيويورك تايمز سلسلة مقالات منذ 2023 يحذر فيها من أن التحالف مع الصهيونية الدينية المتطرفة يقود إسرائيل إلى "مكان لم تعرفه من قبل"، وتناولت هآرتس ومجلات أميركية سيناريوهات صدام المستوطنين مع الدولة. مؤشراته الفعلية الموثقة في 2026: سيطرة بن غفير على الشرطة وسموتريتش على إدارة الضفة، عنف مستوطنين يستدعي تحويل قوات من جبهة حرب، مؤشر استقطاب يجد 11% مستعدين للعنف "لإنقاذ الديمقراطية"، وقلق معلن من تعطيل انتخابات 2026. ومع ذلك يبقى سيناريو حرب أهلية شاملة أقلية في التقديرات: الأرجح في الأدبيات هو "صراع مؤسسات ممتد" وعنف سياسي متقطع، لا يوغسلافيا كاملة.
الخلاصة والقراءة التقديرية
الخلاصة المركبة: أين يقف الكيان في 2026؟
القراءة الأمينة للمصفوفة ترفض الجواب الأحادي. بمعيار القوة الصلبة (نار، تقنية، اقتصاد، غطاء أميركي) يملك الكيان في 2026 أعلى قدرة تدميرية في تاريخه، وألحق بخصومه أضراراً غير مسبوقة. لكن هذه القدرة لم تعد تُترجم إلى تفوق إقليمي: إيران لم تتفكك بل ردّت بضرب قواعد أميركية وبريطانية وسفارات في ثماني دول، وأصابت أهدافاً داخل الكيان، وأغلقت هرمز ولا يزال مغلقاً، واحتفظت وفق التقييم الاستخباري الأميركي نفسه بنحو 70% من ترسانتها. أي أن ما تحقق تفوق في إلحاق الضرر، لا في فرض النتيجة. وبمعيار الأسس البنيوية (هجرة، تماسك، شرعية، عقيدة الحسم، ديموغرافيا داخلية) هو في أوضح مسار تآكل منذ التأسيس، وبعض مؤشراته (الميزان السالب، أحكام لاهاي، مؤشر الاستقطاب) غير مسبوقة إطلاقاً. الصيغة الأدق: ذروة قوة نارية فوق قاعدة تتشقق. التاريخ يعرف هذا النمط جيداً: القوة الصلبة آخر ما يتآكل، لا أوله."في 2026 إسرائيل أقوى عسكرياً مما كانت في 2023. ومع ذلك، ورغم إنجازاتها العسكرية وصمود اقتصادها وجبهتها الداخلية، تجد نفسها في واحدة من أدنى نقاطها الاستراتيجية في تاريخها... إسرائيل عالقة في 'سُبات استراتيجي': إنجازات تكتيكية مبهرة لا تُترجم إلى نصر سياسي وأمني مستدام، مع تآكل غير مسبوق في مكانتها الدولية، من العزلة الدبلوماسية إلى تهديدات الحظر وفقدان الشرعية في الدول الغربية." معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، جامعة تل أبيب، 5 يوليو 2026. أي أن خلاصة هذه الدراسة تتطابق مع تشخيص أهم مركز أبحاث استراتيجي في إسرائيل نفسها.
ما تقوله البيانات وحدها عن الأفق القريب
قبل أي رأي، هذا ما تسمح به الأرقام الموثقة في الأقسام السابقة، لا أكثر:
- إسرائيل ستبقى في المدى المنظور دولة قائمة بجيش متفوق تقنياً واقتصاد كبير. لا يوجد في أي تقدير جاد، بما فيها تقديرات أشد المتشائمين الإسرائيليين، انهيار للدولة في أفق قصير.
- الاتجاهات التي لم ينعكس أي منها حتى أغسطس 2026: ميزان الهجرة السالب، تآكل الشرعية القانونية بعد أحكام لاهاي، انقلاب الرأي العام الأميركي، تصاعد الاستقطاب الداخلي، توسع الضم وعنف المستوطنين، وتجميد التطبيع.
- الاتجاهات التي انعكست فعلاً لصالح إسرائيل: التفوق الناري الإقليمي، صادرات السلاح القياسية، وصمود الاتفاقيات الإبراهيمية القائمة.
- ما تغيّر جوهرياً في 2026 ولم يكن في الحسبان: فشل حرب إيران في تحقيق أهدافها المعلنة، إغلاق هرمز المستمر، استنزاف مخزون الاعتراضات الأميركي، وتوسع دائرة الاشتباك إلى البحر الأحمر والخليج.
أي أن ما يمكن قوله بثقة هو أن مؤشرات التآكل البنيوي تتراكم بلا انعكاس، بينما ازداد التفوق العسكري، وأن التاريخ يعرف هذا التركيب جيداً. أما إلى أين يقود، فسؤال يتجاوز ما تسمح به البيانات، وتبدأ عنده مساحة الرأي.
قراءة مُعدّ الدراسة: عمر فاروق أبو الرب
تنبيه: ما يلي اجتهاد شخصي لمُعدّ الدراسة، مبني على المؤشرات المعروضة أعلاه وعلى متابعة يومية للمصادر العبرية والدولية. لا تفرضه البيانات، ويظل قابلاً للخطأ والمراجعة.
حين ينظر المرء إلى المشهد من زاوية النار وحدها، يبدو الكيان في أوج ما بلغه: قدرة تدميرية لم يملكها من قبل، واحتلال يقارب سبعين في المئة من غزة، وعودة إلى جنوب لبنان، وتوغل في سوريا، ومشاركة في ضرب طهران نفسها. غير أن هذه الزاوية بالذات هي أكثر ما يخدع، لأن التاريخ لم يسجل إمبراطورية واحدة انهارت لأن جيشها ضعف. بريطانيا لم تفقد إمبراطوريتها لأن أسطولها تراجع، والاتحاد السوفييتي لم يسقط لأنه هُزم في ميدان، وفرنسا لم تغادر الجزائر لأنها خسرت معركة. تفككت جميعها بعوامل داخلية وكلفة استنزاف تراكمت سنة بعد سنة، وبفقدان تدريجي للدعم الدولي، وجيوشها في كامل عتادها إلى اللحظة الأخيرة. القوة النارية آخر ما يتآكل لا أوله، ومن يقرأها وحدها يقرأ الفصل الختامي ويحسبه الافتتاحية.
ولعل ملف إيران هو المختبر الذي تتضح فيه هذه المفارقة أكثر من غيره. فبعد حرب الاثني عشر يوماً في يونيو 2025 أُعلن أن البرنامجين النووي والصاروخي قد دُمّرا، ولو صحّ ذلك لما دعت الحاجة إلى حرب جديدة بعد ثمانية أشهر. ثم جاءت حرب فبراير 2026 بأهداف أوسع: اغتيال المرشد، وتغيير النظام، وإنهاء القدرات الصاروخية والبحرية. فاغتيل خامنئي ومعه أربعون من كبار القادة، وبقي النظام. وبعد شهرين لا أكثر، كانت التقييمات الاستخبارية الأميركية تقول إن إيران تحتفظ بسبعين في المئة من ترسانتها وأنها استعادت تسعين في المئة من منصاتها تحت الأرض، فيما يخرج البيت الأبيض ليصف هذه التقارير بأنها "وهمية". وحين يكذّب جهاز الاستخبارات روايةَ رئيسه، فالرواية هي المشكوك فيها لا التقييم. وفي تقديري الخاص، وهو رأي أتحمله ولا أسنده إلى مصدر، أن القدرات الإيرانية ليست في طور الترميم فحسب بل في طور تطوير متسارع.
ومن هنا تبدأ المفارقة الأعمق. فحين تنتقل من ميزان النار إلى خريطة البحار، تجد أن الحرب التي خيضت لفرض الهيمنة أنتجت نقيضها تماماً. مضيق هرمز مغلق منذ الثامن والعشرين من فبراير ولم يُفتح، وباب المندب تحت سيطرة فعلية للحوثيين الذين أعلنوا حصاراً بحرياً على السعودية وضربوا منشآت أرامكو. أهم ممرين مائيين في العالم خرجا من قبضة الدولة التي تملك أقوى أسطول بحري وأضخم قوة عسكرية على وجه الأرض. وليست هذه تفصيلاً هامشياً في العقيدة الأميركية، بل تمسّ صلبها: فاستراتيجية الأمن القومي الأميركية الصادرة في نوفمبر 2025 تضع حرية الملاحة وتأمين المضائق وسلامة سلاسل التوريد في صدارة "المصالح القومية الجوهرية والحيوية"، وتحذّر صراحة من أن يبلغ منافس ما قدرة على فرض نظام رسوم على ممر تجاري حيوي أو إغلاقه وفتحه متى شاء، وتصف ذلك بأنه ضرر مباشر بالاقتصاد الأميركي. أي أن ما حذّرت منه الوثيقة نظرياً وقع عملياً بعد ثلاثة أشهر من صدورها، ووقع في المسرح الذي دخلته واشنطن بنفسها.
وتكتمل الصورة حين نضيف كلفة هذا كله على الحليف الأكبر. فقد استُهلك ثمانون في المئة من مخزون صواريخ ثاد الاعتراضية ونصف مخزون باتريوت في خمسة أشهر، في مسرح واحد، بينما تحمل واشنطن التزاماتها في المحيط الهادئ وأوروبا. عند هذا الحد تغادر المسألة مجال السجال السياسي وتدخل مجال حساب الموارد الذي لا يقبل المجاملة، وهنا بالذات يكمن التهديد الحقيقي للكيان. ليس في جيش عربي ولا في جبهة إقليمية، بل في اللحظة التي تكتشف فيها أميركا أنها تنكمش من قوة عالمية إلى قوة إقليمية، كما اكتشفت بريطانيا ذلك قبلها بجيل. ولذلك يُطرح السؤال اليوم في واشنطن بصيغته الصريحة، أميركا أولاً أم إسرائيل، ويميل المنطق إلى أن تكون الإجابة تدريجياً لصالح الأولى، وصعود جي دي فانس وخطابه أوضح مؤشر على هذا التحول.
أما على الأرض فلم تُغلق جبهة واحدة. حماس لم تنتهِ بعد ثلاث سنوات وأكثر من اثنين وسبعين ألف قتيل، وما زالت طرفاً تفاوضياً يفرض شروطه على تسلسل تسليم السلاح، ولا يُرسم "اليوم التالي" في غزة من دونها. وحزب الله عاد إلى القتال بعد البيجر واللاسلكي واغتيال ثلاثة صفوف كاملة من قيادته، وهي مفاجأة لم تكن في حسبان أحد. والحشد الشعبي في العراق يتصاعد نفوذه. والحوثيون انتقلوا من موقع الدفاع إلى فرض حصار على أكبر اقتصاد خليجي. أربع جبهات ضُربت بأقصى ما تملكه أعتى قوة نارية في الإقليم، ولم تُحسم واحدة منها. وفي الداخل يُستهلك ما تبقى بوتيرة أسرع: ست اعتداءات للمستوطنين يومياً، وضم يتقدم بلا كابح، وعزلة تتسع من أحكام لاهاي إلى العقوبات الأوروبية إلى موجة الاعتراف بفلسطين.
وفي خضم ذلك تأتي المادة 224 لتكشف ما لا يقوله الخطاب الرسمي. فاقتراح ربط الجيشين والصناعتين قانونياً، وقول نتنياهو إن الوقت حان للانتقال "من متلقٍّ للمساعدات إلى شريك"، لا يُقرأان في نظري كعلامتَي قوة. من يسعى إلى تشريع يمنع الإدارات المقبلة من التراجع عن دعمه، إنما يعرف أن هذا الدعم في طريقه إلى الانحسار. وجوهر ما يجري أن إسرائيل تنتقل من كونها "دولة" إلى كونها كياناً عسكرياً وظيفته حماية مصالح أميركا وأوروبا في المنطقة، وقد صار عبئاً على النظامين معاً، وكلفته على داعميه تجاوزت عوائده، وهو اتجاه سيزداد وضوحاً في السنوات المقبلة.
وبناء على ذلك كله، أتوقع للسنوات الخمس المقبلة استمرار الهبوط في كل الدعامات التي رصدها هذا البحث لا انعكاسها، وأتوقع أن يستقر نمط الحروب القصيرة المتبوعة بهدن هشة، جولةً تلو جولة، ما دامت إيران قادرة على الإمساك بأوراقها الإقليمية والبحرية. أما نقطتا التحول الكبريان فهما الانتخابات الإسرائيلية المقبلة والانتخابات الأميركية: الأولى تحدد ما إذا كان المعسكر الذي يقود مشروع الضم سيُحكم قبضته على مفاصل الدولة أم يتراجع، وما إذا كانت المؤسسات لا تزال قادرة على امتصاص الشرخ. والثانية تحدد متى يبدأ انقلاب الرأي العام الأميركي، الموثق في هذا البحث بالأرقام، بالتحول إلى سياسة رسمية. وعند هاتين المحطتين يتضح المسار أكثر مما يتضح في أي معركة.
وخلاصة القول إن عودة إسرائيل إلى ما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر 2023، دولةً تعيش حياة شبه طبيعية بجيش رادع واقتصاد مندمج ومكانة دولية مقبولة، أمر شديد الصعوبة وغير مرجّح في تقديري. فما جرى منذ ذلك اليوم لم يُعِد بناء الردع بل استهلكه، ولم يُنهِ الخصوم بل وسّع دائرتهم، ولم يُحصّن التحالف بل حوّله إلى سؤال مطروح في عاصمته نفسها. ولست أبني هذا على أمنية، بل على قراءة يومية للصحافة العبرية ولبيانات دائرة الإحصاء الإسرائيلية ولتقارير مراكز أبحاثهم؛ وفي كل ما قرأته لم أعثر على ما يمنح الإسرائيلي نفسه أملاً بأن ما تفعله حكومته سيقوده إلى نصر مطلق أو إلى حدود أوسع تدوم.
المصادر الرئيسية
- محكمة العدل الدولية، الرأي الاستشاري 19 يوليو 2024 (عدم قانونية الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة) والرأي الاستشاري 22 أكتوبر 2025. icj-cij.org
- مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR)، بيان الخبراء حول رأي 2024. ohchr.org
- الأونروا، خلاصات رأي أكتوبر 2025. unrwa.org
- Just Security، رفض الجنائية الدولية طعن إسرائيل في المقبولية (يناير 2026). justsecurity.org
- دراسة جامعة تل أبيب حول الهجرة العكسية (أغسطس 2026): تايمز أوف إسرائيل، غلوبس، هآرتس. timesofisrael.com، globes.co.il
- مركز طاوب، "إسرائيل 2025: مفترق ديموغرافي" (الميزان السالب وتباطؤ النمو السكاني). taubcenter.org.il
- دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، تقرير نهاية 2025 (عاليا 24.6 ألف، مغادرة 69 ألف+). عبر تايمز أوف إسرائيل
- OECD، تقرير الهجرة الدولية 2025 (فصل إسرائيل) واللمحة الاقتصادية 2026. oecd.org
- بنك إسرائيل، التقرير السنوي 2025 (نمو 2.9-3.1%، كلفة حرب 47 مليار دولار). TPS/بنك إسرائيل
- بلومبرغ وCNBC وصندوق النقد الدولي، مؤشرات النمو والتصنيف 2025-2026. bloomberg.com
- مكتبة مجلس العموم البريطاني، ملف الاعتراف بدولة فلسطين 2025. commonslibrary.parliament.uk
- CNN وAxios وتايمز أوف إسرائيل، موجة الاعتراف بفلسطين سبتمبر 2025. timesofisrael.com
- ynet، مؤشر الاستقطاب الوطني 2026 (معهد أغام وجامعة تل أبيب). ynetnews.com
- يورونيوز، إنهاك الجيش وعنف المستوطنين وتحذير رئيس الأركان (أبريل 2026). euronews.com
- IISS، "انقسامات إسرائيل الداخلية" (2025). iiss.org
- هيومن رايتس ووتش، تبعات أحكام المحاكم الدولية. hrw.org
- SIPRI والبنك الدولي، سلاسل الإنفاق العسكري والناتج المحلي التاريخية. sipri.org
- حركة السلام الآن (Peace Now) ومكتب OCHA الأممي، بيانات الاستيطان وعنف المستوطنين. peacenow.org.il
- غالوب، "الإسرائيليون لم يعودوا متقدمين في تعاطف الأميركيين" (فبراير-مارس 2026) وسلسلة الاستطلاعات 2025. news.gallup.com
- معهد دراسات الأمن القومي INSS، "وقت كسر السبات الاستراتيجي" (يوليو 2026) ووثيقة عقيدة الأمن القومي 2025-2026. inss.org.il
- ميدل إيست آي ومعاريف وإسرائيل هيوم وذا ماركر، أرقام أزمة القوى البشرية وتحذيرات زامير وبريك (2025-2026). middleeasteye.net
- المفوضية الأوروبية، اقتراح تعليق البنود التجارية والعقوبات (17 سبتمبر 2025)، وJust Security حول العقوبات ومجموعة لاهاي، وThe Conversation حول خيارات العقوبات الأوروبية. justsecurity.org
- وزارة الدفاع الإسرائيلية ومديرية سيبات (SIBAT)، تقرير صادرات الأمن لعام 2025 (يونيو 2026). mod.gov.il
- البنك الدولي، تقارير الاقتصاد الفلسطيني ومراجعة الإنفاق العام للسلطة الفلسطينية وأموال المقاصة (2025-2026). worldbank.org
- التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في غزة RDNA (الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، أبريل 2026). unsco.unmissions.org
- UNOSAT، التقييم الشامل للأضرار العمرانية في قطاع غزة بصور الأقمار الصناعية. unosat.org
- مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA، تقارير الوضع الإنساني في الأرض الفلسطينية المحتلة (2026). ochaopt.org
- سيرجيو ديلا بيرغولا، "مستقبل الديموغرافيا الإسرائيلية واليهودية"، معهد INSS. inss.org.il
- AP-NORC (يونيو 2026) واتحاد الفدراليات اليهودية JFNA (مارس 2025) ووكالة JTA، استطلاعات يهود الولايات المتحدة. apnorc.org
- المجلس الأطلسي ومعهد الشرق الأوسط MEI، وضع الاتفاقيات الإبراهيمية وشروط التطبيع السعودي (2026). atlanticcouncil.org
- Daily Caller، النص الكامل لمقابلة الرئيس ترامب (29 أغسطس 2025). dailycaller.com
- يسرائيل هيوم، مقابلة ترامب (مارس 2024، أعيد نشرها نوفمبر 2024). israelhayom.com
- JTA وTimes of Israel، منشور فانس على إكس حول الفرق بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية (15 ديسمبر 2025)، وهآرتس وAxios حول تصريحاته اللاحقة ومواجهته مع نتنياهو (يوليو 2026). jta.org
- بريتانيكا وAP وAl Jazeera، انتخاب ممداني عمدة نيويورك ومواقفه (نوفمبر 2025). britannica.com
- PBS وFox News وAP، فوز عبدالرحمن السيد وطليب في تمهيديات ميشيغان وإنفاق United Democracy Project (4 أغسطس 2026). pbs.org
- CBS News وBallotpedia، قرار توبيخ رشيدة طليب (7 نوفمبر 2023)، وNPR حول فصل إلهان عمر من لجنة الشؤون الخارجية (2 فبراير 2023). cbsnews.com
- USA Today وAl Jazeera وTime وThe Hill، تحول مارجوري تايلور غرين (يوليو-نوفمبر 2025) وهجوم إيباك عليها واستقالتها. georgiarecorder.com
- Associated Press وAl Jazeera، تصريحات نائب الرئيس فانس في القدس حول تصويت ضم الضفة الغربية (23 أكتوبر 2025). pbs.org (AP)